
أحب الفيلم رغم عيوبه وأبرزها قفز “ماجي جيلنهال” في بعض الأحداث تاركه المشاهد يملئ الفراغات المتروكة، هو ليس قفز ذكي، كأن تترك بعض أجزاء الحكاية لمخيلة المشاهد أولاً، لإثراء مخيلته وتفاعله مع الحكاية باستكمالها بنفسه، والثاني أن لا حاجة فعليا لفعل ذلك، لأن ملئ هذه الفراغات ربما يدخل الصانع في ميلودراما مبتذلة لا يرغب الغرق فيها، كما أن في بعض الأحيان مخيلة المشاهد أقسى عليه من الصور المصنوعة بواسطة الفنان ذاته.
لم يكن هذا السبب على كل حال، السبب الرئيسي يرجع إلى كسل على مستوى الكتابة وهو كسل مرجح لسببين أنها تجربة “ماجي” الأولى فربما مازالت تتخبط وهو تخبط حميد، فماجي تصنع تجربة أولى فريدة وتستحق الإشادة في مجملها وفي خصوصية أنه عملها الأول، إشادة في محلها فمحاولة زميل لها كبرادلي كوبر في تجربته الأولى ككاتب ومخرج كانت سيئة للغاية ومبتذلة وبلا أي قيمة جمالية بداخلها، السبب الثاني هو كون الفيلم مأخوذ عن رواية الكاتبة الإيطالية إيلينا فيرانتي، وهو الفخ الذي يقع فيه كثير من كتاب السيناريو عند تحويلهم عمل أدبي إلى نص سينمائي، إلمامهم بالحكاية يجعلهم في بعض الأحيان يفقدوا القدرة على التمييز بين المهم والأهم وبين ما يعيه هو ككاتب النص نظرا لقراءة للعمل الأدبي وما يعيه المشاهد الذي يشاهد الشريط السينمائي فقط، تسقط هنا تفاصيل مهمة في كثير من الأحيان تلزم أن يكون الكاتب خبيرا ولديه حساسية مفرطة لتجنب الوقوع في مثل هذه الأخطاء، الفارق في فيلمنا أن القفزات هنا يمكن سدها، هي ليست فجوات أو أحداث غير مبررة، بل مشاعر كنت تود أن تدعم أكثر ولكنك تستطيع أن تتفهم دوافع أصحابها.
ورغم أن مثل هذه العيوب تجعلني أرى أفلام آخرى على أنها أفلام كارثية تستحق أن تسحق تحت عجلات قطار سريع، إلا أن ما تقدمه “ماجي” يغفر لها أو بتعبير أدق يجعلني أتقبل هذ العيوب، في المجمل تقدم تجربة في غاية العذوبة لموضوع حساس كالأمومة، هذه التجربة شديدة الهلاك للبعض، فيلم ماجي يمكن أن يصنف بكل سهولة على أنه سينما نسائية ليس لأن عالم صناعة الفيلم نسائي بالكامل، فماجي تعتلي كرسيين الكاتب والمخرج، ولا لأنها حكاية بطلتها أمرأه ولكن لأن التناول نفسه نسائي بامتياز في شجاعته، دائما عندما يقص الرجال حكايات أبطالها يسهل تصنيفهم على أنهم مذنبون أخلاقيا، يحاولون حينها خلق مئات المبررات والدوافع التي تلجأ بأبطالهم لمثل هذه التصرفات، على عكس النساء يتميزون بشجاعة أكبر في الطرح، لا يحاولون تبرئة أبطالهم لأن الحياة أعقد من ذلك، نرتكب حماقات وأخطاء وأفعال نراها عادية والبعض يراها عكس ذلك لأننا بشر يحركنا مشاعر ورغبات، فتور وشغف، طموح وطمع، نحن خطاؤون بالفطرة، ربما يشابه هذا الطرح النسائي حياة النساء ذاتها التي تلزمهم أن يكونوا أكثر شجاعة من أجل الحصول على أقل القليل في حياتهم على عكس الرجال الذين لا يحتاجون لهذا القدر من الشجاعة للحصول أو الاحتفاظ بمكتسبات حياتهم وذلك ما ينعكس في طرحهم الأليف للقضايا الحساسة، فيلم ماجي مصبوغ بصبغة نسائية محببة للقلب على عكس صراخ جريتا جيروج المعتاد في وجوهنا تصنع جيلنهال تجربة سينمائية عذبة قادرة على الصمود في وجه الزمن وقادرة على حمل هموم وأسئلة صاحبتها.

أضف تعليق